ينتهي المصلي من صلاته بالتسليم، لكن السنة النبوية لم تجعل التسليم نهاية الصلة بالله، بل شرعت بعده أذكاراً عظيمة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يواظب عليها ويعلّمها أصحابه. وهذه الأذكار قصيرة سهلة لا تستغرق إلا دقائق معدودة، لكن أجرها عظيم، ففيها مغفرة الخطايا، وجبر ما قد يقع في الصلاة من نقص، وتجديد للتوحيد والثناء على الله. في هذا المقال نجمع أذكار ما بعد الصلاة المفروضة الثابتة في الأحاديث الصحيحة، مع ذكر مصادرها وفضلها، وبيان الترتيب الذي يمكن أن يسير عليه المسلم.
فضل الذكر بعد الصلاة
أمر الله تعالى بذكره بعد الفراغ من الصلاة، فقال سبحانه:
﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم﴾سورة النساء: 103
وأمر بالإكثار من ذكره في كل حال، فقال:
﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً﴾سورة الأحزاب: 41
والوقت الذي يعقب الصلاة المكتوبة وقت مبارك، فالعبد قد فرغ للتو من مناجاة ربه، وقلبه أقرب إلى الخشوع، ولذلك كان هذا الوقت من مواطن إجابة الدعاء أيضاً. وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الدعاء أسمع؟ فقال: «جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات» رواه الترمذي.
الاستغفار ثلاثاً و«اللهم أنت السلام»
أول ما يقوله المصلي بعد التسليم هو الاستغفار، فعن ثوبان رضي الله عنه قال:
«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام»رواه مسلم
وصيغة الاستغفار: «أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله»، كما فسّرها الأوزاعي أحد رواة الحديث. وفي البدء بالاستغفار بعد الصلاة معنى لطيف، فالعبد مهما اجتهد في عبادته لا يخلو من تقصير أو غفلة، فيستغفر الله مما وقع في صلاته من خلل، ولا يغتر بعمله.
ثم يثني على الله بقوله: «اللهم أنت السلام ومنك السلام»، أي أنت السالم من كل نقص وعيب، ومنك يُطلب السلام والأمان، «تباركت ذا الجلال والإكرام»، أي تعاظمت وكثر خيرك يا صاحب العظمة والفضل.
التهليل والثناء على الله
الذكر الأول: حديث المغيرة بن شعبة
كتب المغيرة بن شعبة رضي الله عنه إلى معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة:
«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ»متفق عليه
وهذا الذكر يجمع التوحيد الخالص، والإقرار بأن العطاء والمنع بيد الله وحده، وأن صاحب الغنى والحظ في الدنيا لا ينفعه حظه عند الله، وإنما ينفعه عمله الصالح. ومعنى «الجدّ» هنا: الحظ والغنى.
الذكر الثاني: حديث عبد الله بن الزبير
وكان عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما يقول في دبر كل صلاة حين يسلّم، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهلّل بهن دبر كل صلاة:
«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون»رواه مسلم
ففي هذا الذكر تجديد لكلمة التوحيد مرات متتالية، وإعلان لإخلاص العبادة لله وحده، والاعتراف بأن كل نعمة وفضل منه سبحانه.
التسبيح والتحميد والتكبير
من أعظم الأذكار بعد الصلاة التسبيح والتحميد والتكبير، وقد ورد في عددها أكثر من صفة صحيحة، ومن أشهرها:
الصفة الأولى: 33 + 33 + 33 وتمام المائة بالتهليل
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«من سبّح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبّر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غُفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر»رواه مسلم
الصفة الثانية: 33 + 33 + 34
وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«معقّبات لا يخيب قائلهن -أو فاعلهن- دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة»رواه مسلم
فيقول المسلم: «سبحان الله» ثلاثاً وثلاثين، و«الحمد لله» ثلاثاً وثلاثين، و«الله أكبر» ثلاثاً وثلاثين ثم يختم بالتهليل، أو يجعل التكبير أربعاً وثلاثين. ومن نوّع بين الصفات الثابتة أحياناً فقد أصاب السنة بوجوهها.
| الذكر | الصفة الأولى | الصفة الثانية |
|---|---|---|
| سبحان الله | 33 | 33 |
| الحمد لله | 33 | 33 |
| الله أكبر | 33 | 34 |
| لا إله إلا الله وحده لا شريك له... | مرة واحدة تمام المائة | - |
| المجموع | 100 | 100 |
عقد التسبيح بالأصابع
يُستحب عدّ التسبيح على الأنامل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لبعض النساء من الصحابيات: «واعقدن بالأنامل، فإنهن مسؤولات مستنطقات» رواه أبو داود والترمذي، أي أن الأصابع تشهد لصاحبها يوم القيامة. ومن استعان بأداة لضبط العدد عند الحاجة فالأمر فيه سعة عند كثير من أهل العلم، والعدّ بالأصابع أفضل.
قراءة آية الكرسي والمعوذات
آية الكرسي
آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله، وهي الآية 255 من سورة البقرة، ومطلعها:
﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾سورة البقرة: 255
وقد ورد في قراءتها بعد الصلاة فضل عظيم، فعن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت»رواه النسائي في السنن الكبرى
وقد صححه جماعة من أهل العلم. ومعنى الحديث أنه لم يبق بينه وبين دخول الجنة إلا الموت.
المعوذات
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال:
«أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة»رواه أبو داود
والمعوذات هي سورة الإخلاص، وسورة الفلق، وسورة الناس، وأُطلق عليها هذا الاسم تغليباً، لما فيها من الاستعاذة بالله والثناء عليه. وتُقرأ كل سورة منها مرة واحدة بعد كل صلاة، وقد ذكر بعض أهل العلم أنها تُكرر ثلاثاً بعد صلاتي الفجر والمغرب، أخذاً من أحاديث أذكار الصباح والمساء.
أذكار ثابتة أخرى
وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال:
«يا معاذ، والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ لا تدعنّ في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»رواه أبو داود والنسائي
وهذا الدعاء من أجمع الأدعية، فالعبد يسأل ربه العون على ثلاثة أمور هي مدار العبودية: الذكر، والشكر، وإحسان العبادة. وقد اختلف العلماء في موضعه: هل هو قبل السلام أو بعده، والأمر في ذلك واسع.
ترتيب مقترح وآداب الذكر
جمعاً بين الأحاديث السابقة، يمكن للمسلم أن يسير بعد الصلاة المفروضة على الترتيب الآتي، وهو ترتيب استحسنه كثير من أهل العلم:
- الاستغفار ثلاثاً: «أستغفر الله».
- «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام».
- «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد».
- ذكر ابن الزبير: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له... ولو كره الكافرون».
- التسبيح والتحميد والتكبير بإحدى الصفات الثابتة.
- قراءة آية الكرسي.
- قراءة سور الإخلاص والفلق والناس.
من آداب الذكر
- حضور القلب: فالذكر مع تدبر معانيه أعظم أثراً من مجرد تحريك اللسان.
- البقاء في المصلى: فمن جلس في مصلاه بعد الصلاة يذكر الله كان ذلك من أسباب صلاة الملائكة عليه ما لم يحدث، كما جاء في الأحاديث الصحيحة.
- عدم الإخلال بحق الآخرين: فلا يرفع صوته بما يشوّش على المصلين الذين يقضون ما فاتهم.
- المداومة: فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ، والمواظبة على هذه الأذكار تجعلها عادة راسخة.
خاتمة
أذكار ما بعد الصلاة كنز يغفل عنه كثير من الناس، فيقومون من صلاتهم مسرعين، ويفوّتون على أنفسهم مغفرة الخطايا وإن كانت مثل زبد البحر، وفضل آية الكرسي، وبركة الاستغفار والتوحيد. وهي لا تستغرق إلا دقائق معدودة، فاجعلها جزءاً ثابتاً من صلاتك، واحرص على الصيغ الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتدبّر معانيها، تجد أثرها في قلبك ويومك.
استعن بالمسبحة الإلكترونية لضبط عدد التسبيح والتحميد والتكبير بعد كل صلاة.
استخدم المسبحة الإلكترونية