علم المواريث، ويُسمّى أيضاً علم الفرائض، من أجلّ العلوم الشرعية وأدقها، لأن الله تعالى تولى بنفسه قسمة التركات في كتابه، ولم يكلها إلى اجتهاد أحد. وهو علم يمس حياة كل أسرة، إذ لا يخلو بيت من موت وتركة وورثة. ومع ذلك يجهل كثير من الناس مبادئه الأساسية، فتقع بسبب ذلك خلافات بين الأقارب، أو تُعطى الحقوق لغير أهلها. في هذا المقال مدخل ميسر للمبتدئين، نعرّف فيه بأهم مصطلحات هذا العلم: أصحاب الفروض، والعصبات، والحجب، مع أمثلة توضيحية.
مكانة علم الفرائض وأدلته
جاءت أحكام المواريث مفصلة في القرآن الكريم على نحو قلّ أن يوجد في غيرها من الأحكام، وأكثرها في سورة النساء في الآيات 11 و12 و176. قال الله تعالى:
﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾سورة النساء: 11
وقد بيّن الله تعالى أن لكل من الرجال والنساء نصيباً مفروضاً، فقال سبحانه:
﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً﴾سورة النساء: 7
وختم آيات المواريث بقوله: ﴿تلك حدود الله﴾، تنبيهاً على أن هذه القسمة حدود لا يجوز تجاوزها. ومن السنة القاعدة الجامعة في هذا الباب، وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر»متفق عليه
وهذا الحديث يلخّص منهج القسمة كله: يُعطى أصحاب الفروض أنصبتهم أولاً، ثم يُعطى الباقي للعصبة الأقرب.
الحقوق المتعلقة بالتركة قبل القسمة
التركة هي كل ما يتركه الميت من أموال وحقوق. ولا تُقسم على الورثة مباشرة، بل تُقدّم عليها حقوق بالترتيب الآتي:
- تجهيز الميت: من تغسيل وتكفين ودفن بالمعروف دون إسراف ولا تقتير.
- قضاء الديون: سواء كانت لله كالزكاة الواجبة والكفارات، أو للناس كالقروض وثمن المشتريات.
- تنفيذ الوصية: في حدود ثلث ما بقي بعد الديون، ولغير وارث، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: «الثلث، والثلث كثير» متفق عليه، ولحديث «لا وصية لوارث» رواه أبو داود والترمذي.
- قسمة الباقي على الورثة: بحسب الأنصبة الشرعية.
أسباب الإرث وموانعه
أسباب الإرث
يثبت الإرث بأحد الأسباب الآتية المتفق عليها:
- النسب: وهو القرابة الحقيقية، كالأبوة والبنوة والأخوة والعمومة.
- النكاح: وهو عقد الزوجية الصحيح، فيرث كل من الزوجين صاحبه، ولو لم يحصل دخول، ما دام العقد قائماً عند الوفاة أو كانت المرأة في عدة طلاق رجعي.
- الولاء: وهو قرابة حكمية سببها عتق الرقيق، ولا يكاد يوجد اليوم.
موانع الإرث
قد يوجد سبب الإرث، لكن يمنع منه مانع، وأشهر الموانع ثلاثة:
- القتل: فالقاتل عمداً لا يرث من قتله، معاملة له بنقيض قصده. وللعلماء تفصيل في أنواع القتل الأخرى.
- اختلاف الدين: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» متفق عليه.
- الرق: وهو غير موجود في زماننا.
الفروض المقدرة في كتاب الله
الفرض هو النصيب المقدّر شرعاً لوارث معين. والفروض المذكورة في القرآن ستة، وهي:
| الفرض | أصحابه باختصار |
|---|---|
| النصف | الزوج، والبنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت لأب (بشروط) |
| الربع | الزوج مع وجود الفرع الوارث، والزوجة أو الزوجات مع عدمه |
| الثمن | الزوجة أو الزوجات مع وجود الفرع الوارث |
| الثلثان | البنتان فأكثر، وبنتا الابن فأكثر، والأختان الشقيقتان فأكثر، والأختان لأب فأكثر |
| الثلث | الأم (بشروط)، والإخوة لأم اثنان فأكثر |
| السدس | الأب، والأم، والجد، والجدة، وبنت الابن، والأخت لأب، والأخ أو الأخت لأم (بشروط) |
ويُقصد بـالفرع الوارث أولاد الميت وأولاد أبنائه وإن نزلوا (الابن، والبنت، وابن الابن، وبنت الابن). ووجوده أو عدمه يغيّر أنصبة كثير من الورثة، كما سيظهر في الأمثلة.
أصحاب الفروض
أصحاب الفروض هم الورثة الذين لهم نصيب مقدّر، وهم اثنا عشر: أربعة من الرجال، وثمانٍ من النساء.
من الرجال
- الزوج: له النصف إن لم يكن للزوجة فرع وارث، والربع إن كان لها فرع وارث.
- الأب: له السدس مع الفرع الوارث الذكر، ويرث بالتعصيب عند عدم الفرع الوارث، ويجمع بين السدس والتعصيب مع الفرع الوارث الأنثى.
- الجد لأب: يقوم مقام الأب عند عدمه في أكثر الأحوال، وله مسائل خاصة مع الإخوة اختلف فيها الفقهاء.
- الأخ لأم: له السدس إن كان منفرداً، ويشترك مع إخوته لأم في الثلث إن كانوا اثنين فأكثر، بشرط ألا يكون للميت فرع وارث ولا أصل وارث ذكر.
من النساء
- الزوجة: لها الربع إن لم يكن للزوج فرع وارث، والثمن إن كان له فرع وارث. وإذا تعددت الزوجات اشتركن في الربع أو الثمن.
- الأم: لها الثلث إذا لم يكن للميت فرع وارث ولا جمع من الإخوة (اثنان فأكثر)، والسدس مع وجود أحدهما.
- الجدة: لها السدس عند عدم الأم، وإذا تعددت الجدات الوارثات اشتركن فيه.
- البنت: لها النصف إن انفردت، والثلثان للبنتين فأكثر، وتصير عصبة إذا وُجد معها ابن.
- بنت الابن: ترث نحو إرث البنت عند عدمها، ولها السدس مع البنت الواحدة تكملة للثلثين.
- الأخت الشقيقة: لها النصف إن انفردت، والثلثان لاثنتين فأكثر، عند عدم الفرع الوارث والأصل الوارث الذكر.
- الأخت لأب: ترث نحو إرث الشقيقة عند عدمها، ولها السدس مع الشقيقة الواحدة.
- الأخت لأم: حكمها حكم الأخ لأم، ويستوي فيها الذكر والأنثى.
العصبات وأنواعها
العاصب هو الوارث الذي ليس له نصيب مقدّر، بل يأخذ ما أبقته الفروض، فإن انفرد أخذ التركة كلها، وإن لم يبق شيء بعد الفروض لم يأخذ شيئاً. والعصبة ثلاثة أنواع:
1. العصبة بالنفس
وهم الذكور من الأقارب الذين لا تتوسط بينهم وبين الميت أنثى، ويُقدَّم بعضهم على بعض بحسب الجهة ثم القرب ثم القوة:
- جهة البنوة: الابن، ثم ابن الابن وإن نزل.
- جهة الأبوة: الأب، ثم الجد لأب وإن علا.
- جهة الأخوة: الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم أبناؤهم.
- جهة العمومة: العم الشقيق، ثم العم لأب، ثم أبناؤهم.
فإذا اجتمع عاصبان من جهتين قُدّمت الجهة الأعلى، وإن كانا من جهة واحدة قُدّم الأقرب درجة، وإن استويا في الدرجة قُدّم الأقوى قرابة، فيُقدّم الشقيق على الذي لأب.
2. العصبة بالغير
وهن أربع من النساء يصرن عصبة بوجود أخ لهن في درجتهن، فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين: البنت مع الابن، وبنت الابن مع ابن الابن، والأخت الشقيقة مع الأخ الشقيق، والأخت لأب مع الأخ لأب.
3. العصبة مع الغير
وهي الأخت الشقيقة أو الأخت لأب، إذا اجتمعت مع البنت أو بنت الابن، فتأخذ الأخت ما بقي بعد فرض البنات، ولو لم يوجد أخ ذكر.
الحجب: من يسقط ومن لا يسقط
الحجب هو منع وارث من الإرث كله أو من بعضه لوجود وارث آخر، وهو نوعان:
- حجب نقصان: ينتقل فيه الوارث من نصيب أكبر إلى أصغر، كالزوج ينتقل من النصف إلى الربع بوجود الفرع الوارث، والأم تنتقل من الثلث إلى السدس.
- حجب حرمان: يسقط فيه الوارث تماماً، كسقوط الأخ بوجود الابن أو الأب، وسقوط ابن الابن بوجود الابن.
أمثلة محلولة
المثال الأول: زوج وأم وأخ شقيق
ماتت امرأة وتركت زوجاً وأماً وأخاً شقيقاً، ولا فرع وارث لها.
- الزوج: النصف، لعدم الفرع الوارث.
- الأم: الثلث، لعدم الفرع الوارث وعدم جمع من الإخوة (أخ واحد فقط).
- الأخ الشقيق: الباقي تعصيباً.
أصل المسألة من 6: للزوج 3 أسهم، وللأم 2، وللأخ الشقيق الباقي وهو سهم واحد. فلو كانت التركة 60,000 لكان للزوج 30,000، وللأم 20,000، وللأخ 10,000.
المثال الثاني: زوجة وأم وابن وبنت
مات رجل وترك زوجة وأماً وابناً وبنتاً.
- الزوجة: الثمن، لوجود الفرع الوارث.
- الأم: السدس، لوجود الفرع الوارث.
- الابن والبنت: الباقي تعصيباً، للذكر مثل حظ الأنثيين.
أصل المسألة 24: للزوجة 3، وللأم 4، والباقي 17 للابن والبنت. ولأن 17 لا ينقسم على 3 (رؤوس الابن والبنت) قسمة صحيحة، نصحح المسألة بضربها في 3 فتصبح من 72: للزوجة 9، وللأم 12، وللابن 34، وللبنت 17. ومجموعها 72.
خاتمة
علم المواريث علم منضبط، تبدأ القسمة فيه بإخراج حقوق التركة من تجهيز ودين ووصية، ثم إعطاء أصحاب الفروض أنصبتهم المقدرة، ثم إعطاء الباقي للعصبة الأقرب، مع مراعاة قواعد الحجب. ومن أتقن هذه الأصول سهل عليه فهم كثير من المسائل، وأمكنه التحقق من القسمة بنفسه. وإقامة هذه الحدود كما أنزلها الله من أعظم أسباب حفظ الأسر وصلة الأرحام.
أدخل الورثة وقيمة التركة، واحصل على نصيب كل وارث مع بيان سبب استحقاقه.
استخدم حاسبة المواريث