الذهب من أقدم صور الادخار عند الناس، ولا يكاد يخلو بيت من قطعة ذهبية؛ سواء كانت سبيكة مدخرة، أو حلياً تلبسه المرأة، أو ليرات ومسكوكات محفوظة. ومن هنا تكثر الأسئلة حول زكاة الذهب: متى تجب؟ وكيف أحسبها إذا كان ذهبي من عيار 21 أو 18؟ وهل في الحلي الملبوس زكاة؟ في هذا المقال نعرض الأحكام الأساسية لزكاة الذهب، ونشرح طريقة تحويل العيارات إلى الذهب الخالص بجدول مبسط، ونبين أقوال العلماء في حلي الزينة، ثم نختم بأمثلة عملية محسوبة.
حكم زكاة الذهب ودليلها
أجمع العلماء على وجوب الزكاة في الذهب والفضة إذا بلغا النصاب وحال عليهما الحول، وكانا مدخرين أو معدّين للنماء. وقد توعّد الله تعالى من يكنز الذهب والفضة ولا يؤدي حقهما، فقال سبحانه:
﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾سورة التوبة: 34
وقد فسّر كثير من السلف الكنز المذموم بأنه المال الذي لا تؤدى زكاته. وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صُفّحت له صفائح من نار»رواه مسلم
فزكاة الذهب فريضة محكمة، والتهاون فيها من كبائر الذنوب، وأداؤها تطهير للمال وبركة فيه.
نصاب الذهب ومقدار الواجب
نصاب الذهب عشرون مثقالاً، وتعادل بالتقدير المعاصر 85 غراماً من الذهب الخالص (عيار 24). فمن ملك هذا القدر أو أكثر، ومضى عليه عام هجري كامل، وجب عليه أن يخرج ربع العشر، أي 2.5% من الذهب نفسه أو من قيمته.
ويمكن إخراج الزكاة ذهباً، أو إخراج قيمتها نقداً بحسب سعر الذهب يوم الوجوب، والثاني هو الأيسر والأنفع للفقير في الغالب، وقد أجازه كثير من العلماء المعاصرين لما فيه من مصلحة ظاهرة.
عيارات الذهب وتحويلها إلى عيار 24
الذهب الخالص لين جداً لا يصلح لصناعة الحلي في الغالب، لذلك يُخلط بمعادن أخرى كالنحاس والفضة لزيادة صلابته. ويُعبّر عن نسبة الذهب في السبيكة بـالعيار، والعيار 24 يعني ذهباً خالصاً تقريباً، والعيار 21 يعني أن في القطعة 21 جزءاً من الذهب من أصل 24 جزءاً، وهكذا.
قاعدة التحويل
لمعرفة وزن الذهب الخالص في أي قطعة نستعمل المعادلة الآتية:
وزن الذهب الخالص = وزن القطعة × (العيار ÷ 24)
فقطعة وزنها 40 غراماً من عيار 21 تحتوي على: 40 × 21 ÷ 24 = 35 غراماً من الذهب الخالص.
جدول العيارات ونصاب كل عيار
ويمكن أيضاً أن نعكس المعادلة لنعرف كم غراماً من كل عيار يساوي النصاب (85 غراماً خالصاً):
| العيار | نسبة الذهب الخالص | معامل التحويل | النصاب بوزن هذا العيار |
|---|---|---|---|
| 24 | 99.9% تقريباً | 24 ÷ 24 = 1 | 85 غراماً |
| 22 | 91.7% | 22 ÷ 24 ≈ 0.917 | 92.73 غراماً تقريباً |
| 21 | 87.5% | 21 ÷ 24 = 0.875 | 97.14 غراماً تقريباً |
| 18 | 75% | 18 ÷ 24 = 0.75 | 113.33 غراماً تقريباً |
| 14 | 58.3% | 14 ÷ 24 ≈ 0.583 | 145.71 غراماً تقريباً |
فمن كان عنده حلي من عيار 18 وزنه 100 غرام لم يبلغ النصاب وحده، لأن ما فيه من الذهب الخالص 75 غراماً فقط، بخلاف من ظن أن العبرة بالوزن الكلي.
طريقة بديلة: الحساب بسعر العيار نفسه
بدلاً من تحويل الوزن، يمكن أن تضرب وزن القطعة في سعر غرام عيارها مباشرة في السوق، ثم تقارن القيمة بقيمة النصاب. والنتيجة متقاربة في الغالب، والتحويل إلى عيار 24 أدق في معرفة بلوغ النصاب.
زكاة الحلي المعدّ للزينة: أقوال العلماء
هذه من أشهر مسائل الخلاف في باب الزكاة. والمقصود بها الحلي المباح الذي تتخذه المرأة للبس والتزين المعتاد، لا للادخار أو التجارة. وللعلماء فيها قولان مشهوران:
القول الأول: لا زكاة في الحلي المعدّ للاستعمال
وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة. واستدلوا بأن الزكاة إنما تجب في المال النامي أو المعدّ للنماء، والحلي الملبوس صار من الحاجات الشخصية كالثياب والأثاث، فخرج عن معنى المال المدخر. واستدلوا كذلك بآثار عن بعض الصحابة، منها ما رواه الإمام مالك في الموطأ أن عائشة رضي الله عنها كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تُخرج منه الزكاة.
ويشترط أصحاب هذا القول عادة أن يكون الحلي مباحاً، وأن يكون معداً للبس فعلاً أو للإعارة، وأن يكون في حدود المعتاد عرفاً دون إسراف ظاهر.
القول الثاني: تجب الزكاة في الحلي مطلقاً
وهو مذهب الحنفية، وقال به عدد من العلماء المعاصرين. واستدلوا بعموم النصوص الموجبة للزكاة في الذهب والفضة، وبأحاديث خاصة منها حديث المرأة التي أتت النبي صلى الله عليه وسلم وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فسألها عن زكاتهما، وهو حديث رواه أبو داود والنسائي، وقد اختلف المحدثون في تصحيحه وتضعيفه.
حالات تجب فيها الزكاة في الحلي باتفاق
الخلاف السابق خاص بالحلي المباح المعدّ للبس. أما الحالات الآتية فتجب فيها الزكاة عند عامة العلماء:
- الذهب المدخر للادخار أو الاستثمار: كالسبائك والليرات والجنيهات الذهبية، ولو كان على صورة حلي يُحفظ للبيع عند الحاجة.
- الحلي المعدّ للتجارة: كالذهب المعروض في محلات الصاغة، ويُزكّى زكاة عروض التجارة بحسب قيمته السوقية.
- الحلي المحرم: كخاتم الذهب أو السلسلة الذهبية التي يلبسها الرجل، إذ لا يُعفى المحرم من الزكاة.
- الحلي الذي تُرك لبسه وصار مكنوزاً: إذا نوت صاحبته ادخاره ولم تعد تستعمله، فيأخذ حكم المال المدخر عند كثير من العلماء.
أمثلة عملية محسوبة
نفترض في الأمثلة الآتية أن سعر غرام الذهب عيار 24 يساوي 300 وحدة نقدية، وهو رقم افتراضي للتوضيح فقط.
المثال الأول: حلي من عيار 21 للادخار
امرأة عندها 120 غراماً من الذهب عيار 21 تحتفظ به للادخار.
- الذهب الخالص = 120 × 21 ÷ 24 = 105 غرامات.
- 105 أكبر من 85، إذن بلغ النصاب.
- الزكاة بالوزن = 105 × 2.5% = 2.625 غرام من الذهب الخالص.
- الزكاة بالقيمة = 2.625 × 300 = 787.5 وحدة نقدية.
ولو حسبناها بسعر عيار 21 مباشرة (300 × 21 ÷ 24 = 262.5 للغرام)، لكانت قيمة الذهب 120 × 262.5 = 31,500، وزكاتها 787.5 وحدة، وهي النتيجة نفسها.
المثال الثاني: حلي من عيار 18 لم يبلغ النصاب
رجل يملك 100 غرام من الذهب عيار 18 مدخرة. الذهب الخالص = 100 × 18 ÷ 24 = 75 غراماً، وهو أقل من 85، فلا زكاة فيه وحده. لكن إن كان يملك معه نقوداً أو فضة، فإن جمهور العلماء يضمون الجميع لتكميل النصاب كما سيأتي.
المثال الثالث: عيارات مختلفة
امرأة تملك للادخار: 50 غراماً عيار 21، و40 غراماً عيار 18، و20 غراماً عيار 24.
- عيار 21: 50 × 0.875 = 43.75 غراماً خالصاً.
- عيار 18: 40 × 0.75 = 30 غراماً خالصاً.
- عيار 24: 20 غراماً خالصاً.
- المجموع = 93.75 غراماً، وهو أكبر من النصاب.
- الزكاة = 93.75 × 2.5% = 2.34 غرام تقريباً، وقيمتها نحو 703 وحدات.
المثال الرابع: ذهب ونقود معاً
شخص يملك 60 غراماً من الذهب الخالص المدخر (قيمته 18,000 وحدة) ونقوداً بقيمة 12,000 وحدة. الذهب وحده دون النصاب، لكن مجموع القيمة 30,000 وحدة، وهو يتجاوز قيمة نصاب الذهب (85 × 300 = 25,500). وعلى قول الجمهور بضم الأثمان بعضها إلى بعض تجب الزكاة: 30,000 × 2.5% = 750 وحدة.
مسائل متفرقة
الأحجار الكريمة المرصعة في الذهب
لا زكاة في الألماس واللؤلؤ والأحجار الكريمة إذا كانت للزينة أو الاقتناء الشخصي، لأنها ليست من الأثمان، إلا إذا كانت معدّة للتجارة. فإذا كان الحلي مرصعاً بالأحجار فإن الزكاة تكون على وزن الذهب فقط، ويُقدّر وزنه بالتقريب إن تعذر فصله.
أجرة الصياغة (المصنعية)
عند حساب الزكاة يُعتمد في الغالب على وزن الذهب وسعره في السوق، ولا تُحسب أجرة الصياغة التي دفعها المشتري، لأنها لا تُسترد غالباً عند البيع.
الذهب الأبيض والمطلي
الذهب الأبيض ذهب حقيقي مخلوط بمعادن بيضاء، فحكمه حكم الذهب ويُحسب بعياره. أما البلاتين والإكسسوارات المطلية بماء الذهب فليست ذهباً، ولا تجب فيها زكاة الذهب، ما لم تكن للتجارة.
خاتمة
حساب زكاة الذهب ليس معقداً كما يظن كثيرون؛ فالخطوة الأهم هي تحويل وزن ما تملكه إلى ما يعادله من الذهب الخالص بضربه في العيار مقسوماً على 24، ثم مقارنته بنصاب 85 غراماً، ثم إخراج ربع العشر إن بلغه ومضى عليه الحول. أما الحلي المعدّ للبس فمسألة خلافية بين الجمهور والحنفية، فاختر ما تطمئن إليه بعد سؤال أهل العلم، والاحتياط فيه باب واسع من أبواب الخير.
أدخل أوزان ذهبك بعياراته المختلفة، وستحوّلها الحاسبة إلى عيار 24 وتحسب زكاتك تلقائياً.
استخدم حاسبة الزكاة